هلال بن محسن الصابي
356
الوزراء
الطريقة وعدلتما عنها إلى ما تقتضيه السّنّة المأثورة وأحسنتما إلى من في أيديكما وتركتماهم على أديانهم ، ولم تكرهاهم على خلاف آرائهم ، وإلا لعنّا كما وتبرّأنا منكما وحرمنا كما . فلما وصلنا إلى القسطنطينية أوصل رسول البطرك والقاثليق إلى الملكين وحجبت وخلوا به ووقفا على ما ورد معه ، وتركانا أيّاما ثم أحضرانى إليهما ، فسلمت عليهما وقال لي ترجمانهما : الملكان يقولان : الذي أدّى إلى ملك العرب من فعلنا بأسارى المسلمين كذب وشناعة ، وقد أذنّا في دخولك دار البلاط لتشاهدهم وتسمع شكرهم وتعلم استحالة ما ذكر لكم في أمرهم . وحملت إلى دار البلاط فرأيتهم كأنهم خارجون من القبور ، وقائمون إلى النشور ، ووجوههم دالّة على ما كانوا فيه من الضّرّ والعذاب ، إلا أنهم في حال صيانة مستأنفة ، ورفاهة مستجدّة ، وتأمّلت ثيابهم فكانت جددا كلّها ، فتبيّنت أنني أخّرت ذلك التأخير حتى غيّرا أمرهم وجدّد زيّهم ، وقالوا لي : نحن شاكرون للملكين - فعل اللّه لهما « 1 » وصنع - مع إيمائهم إلىّ بأن حالهم كانت على ما تأدّى إلينا ، وإنما خفّف عنهم وأحسن إليهم بعد حصولي هناك . وقالوا لي في عرض قولهم : كيف عرفت صورتنا ؟ ومن تنبّه على مراعاتنا حتى أنفذك من أجلنا ؟ فقلت : ولى الوزارة الوزير أبو الحسن علىّ ابن عيسى وبلغه خبركم ، فأنفذ وفعل كذا وكذا . فضجّوا بالدعاء له ، وسمعت امرأة منهم تقول : قرّ يا علىّ بن عيسى ، لا نسي اللّه لك هذا الفعل . قال أبو يحيى بن مكرم : فلما سمع الوزير ذلك بكى بكاء شديدا ، ثم سجد للّه تعالى شاكرا ، وحامدا ، وبرّ الرسول وصرفه . وقلت لعلىّ بن عيسى : أسمعك أيها الوزير تتبرّم بالوزارة في خلواتك ، وترغب في الانصراف عنها تحرّجا « 2 » من آثامها ، فلو كنت معتزلا
--> ( 1 ) في الأصل . بهما . ( 2 ) في الأصل تحريا .